محمد متولي الشعراوي
1577
تفسير الشعراوى
نسأل أيكون الفسق هنا مجرد خروج عن منهج طاعة الرسول ؟ لكن هذا الخروج يوصف به كل عاص ، أي أن صاحبه مؤمن بمنهج وفسق جزئيا ، إننا نقول عن كل عاص : « إنه فسق » أي أنه مؤمن بمنهج وخرج عن جزئية من هذا المنهج ، أما الفسق الذي يتحدث عنه الحق هنا فهو فسق القمة ؛ لأنه فسق عن ركب الإيمان كله ، فإذا كان اللّه قد أخذ العهد ، وشهد الأنبياء على أممهم ، وشهدت الأمم بعضها على بعض ، وشهد اللّه على الجميع ، أبعد ذلك تكون هناك فرصة لأن يتولى الإنسان ويعرض ؟ ثم لماذا يتولى ويعرض ؟ إنه يفعل ذلك لأنه يريد منهجا غير هذا المنهج الذي أنزله اللّه ، فلو كان قد اقتنع بمنهج اللّه لأقبل على هذا المنهج ، أما الذي لم يقتنع فإنه يعرض عن المنهج ويطلب منهجا غيره فأي منهج تريد يا من لا ترضى هذه الشهادة ولا هذا التوثيق ؟ خصوصا وأنت تعلم أنه لا يوجد منهج صحيح إلا هذا المنهج ، فليس هناك إله آخر يرسل مناهج أخرى . وهكذا نعرف أنه لا يأتي منهج غير منهج اللّه ، إلا منهج من البشر لبعضهم بعضا ، ولنا أن نقول لمن يتبع منهجا غير منهج اللّه : من الذي جعل إنسانا أولى بأن يتبعه إنسان ؟ إن التابع لا بد أن يبحث عمن يتبعه ، ولا بد أن يكون الذي يتبعه أعلى منه ، لكن أن يتبع إنسان إنسانا آخر في منهج من عنده ، فهذا لا يليق ، وهو فسق عن منهج اللّه ؛ لأن المساوى لا يتبع مساويا له أبدا ، ومن فضل اللّه سبحانه أنه جعل المنهج من عنده للناس جميعا حتى لا يتبع إنسان إنسانا آخر . لماذا ؟ حتى لا يكون هوى إنسان مسيطرا على مقدرات إنسان آخر ، والحق سبحانه لا هوى له . إن كل إنسان يجب أن يكون هواه تابعا للّه الذي خلق كل البشر . وما دام ليس هناك إله آخر فما المنهج الذي يرتضيه الإنسان لنفسه ؟ إن المنهج الذي يرتضيه الإنسان لنفسه لو لم يتبع منهج اللّه هو منهج من وضع البشر ، والمنهج الذي يضعه البشر ينبع دائما من الهوى ، وما دامت الأهواء قد وجدت ، فكل مشرّع من البشر له هوى ، وهذا يؤدى إلى فساد الكون . قال تعالى : وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ